المؤشر
06-07-2011, 04:24 AM
[أيها الإنسان اعرف نفسك
http://www.misdarchurch.net/images/stories/who-are-you2.jpg
من واقع الحياة
مع لحظات الفجر الاولى، عاد "الاستاذ" الى بيته في أحد الاحياء الشعبية. وتسلل في الظلام صاعدا الى غرفته الصغيرة فوق سطح احدى البنايات المتواضعة. وخلع "الاستاذ" حذائه، واستلقى فوق سريره الصغير، واستغرق في تفكير عميق.
الناس البسطاء في الحي يسمونه "الاستاذ"، لأنه يقضي اليوم في القراءة، ويخرج في المساء حاملا بعض الاوراق، ويعود بها ثانية مع لحظات الفجر لا أحد يعرف اسمه، ولم يسأله احد عن حرفته، بل ظل غامضا مجهولا تحيط به التساؤلات التي لا تخلو من الشكوك، لكنه – على أي حال – لم يفعل شيئا يثير الشبهات، ولم يضايق احدا، ولم يستقبل في غرفته صديقا او جارا.
الليل – استقلى الاستاذ على فراشه في تفكير عميق يغلب عليه الحزن فمع انه بطبيعته لا يحب الاختلاط بالناس، الا انه ضاق ايضا بوحدته القاتلة، واحساسه الشديد بالغربة.
اراد ان يسترجع الذكريات، لكنه لم يجد شيئا يُسترجع، فشريط الذكريات في حياته قصير ومبتور فهو لا يعرف اين وُلد، ولا يعرف من هما ابواه، وليس له اقارب ولا اصدقاء، ولا حتى زملاء دراسة، فهو لم يلتحق بمدرسة قط.
في طفولته المبكرة تاه في الزحام، وتلفقته الارصفة، والباعة والشحاذون، ثم الورش الصغيرة. فانتقل من حرفة الى اخرى. وتعلم القراءة بمجهوده الخاص حتى اجاد "فك الخط"، كما يقولون. ثم انتهى به المطاف في الملهى الليلي، الذي اسند اليه القيام ببعض المشاهد التمثيلية، وتقديم "الاسكتشات" البسيطة.
قبل ان يحترف التمثيل، كان السؤال الذي سشغله دائما هو: من انا؟ ولقد ظل فترة طويلة يبحث حوله عن اجابة شافية فلم يجد. اما اليوم، وبعد ان كثرت الشخصيات التي يمثلها. فقد صارت المسكلة اعمق مما كانت عليه. فهو الان يمتلك شخصيات كثيرة مزيفة، يعايشها بالليل والنهار، ويتقمصها ويجسدها للناس بقدر ما يستطيع حتى صارت جزءا منه. ولكنه لا يعرف اين هو بين كل هذه الشخصيات! فالشخصية الوحيدة الحقيقية في داخله مجهولة تماما، ولا يعرف عنها شيئا يذكر!
إنه انسان لا يعرف من هو!
1- نحن وانفسنا
كثيرا ما تتكرر القصة السابقة في حياتنا الخاصة، وان لم تكن بهذه الصورة العنيفة. غير ان النتيجة في الحالتين واحدة، فنحن نعرف عن انفسنا اشياء قليلة (او كثيرة)، لكننا نجهل ايضا اشياء كثيرة جدا. وقد تكون "الشخصية الحقيقية" لنا – تائهة بين شخصيات كثيرة – تتقمصها ونؤديها امام الناس. وقد تطغى احدى هذه الشخصيات علينا، فتختفي ملامحنا الحقيقية وراء زيفها المتسلط، فيرانا كل الناس على غير ما نحن عليه! والاخطر من ذلك نقتنع نحن ايضا بالشخصية الزائفة التي نعيشها! فيتعثر علينا ان نكتشف انفسنا.
2- نفوسنا والاقنعة
نفوس البشر ليست عارية، فهي دائماً تلبس الثياب الساترة. ولكلّ إنسان "تشكيلة الأقنعة" التي يستخدمها. والأقنعة لا تخفي أشكالنا فقد، لكنها تخفي حقيقة ما نشعر به، وحقيقة ما نفكّر به، وحقيقة ما نسعى إليه. أحياناً نضع الأقنعة، ونعلم بما نعمل، وذلك حين نكذب مثلاً، أو حين ننكر أو نخدع. لكننا أحياناً لا ندرك، ولا نعلم أننا غير ما نقول، وغير ما نفعل. فقد نكذب حتّى نصدّق أنفسنا، أو بمعنى أصحّ قد نكذب حتى نخدع أنفسنا!
إن كنّا نخدع الناس فهذا عيب كبير، أما خداعنا لأنفسنا فهو ليس عيباً فقط لكنه كارثة علينا، لأنه يحول دون اكتشاف النفس ثمّ تقويم النفس، وإصلاحها!
3- معرفة النفسك
لّ إنسان في الوجود –كتاب مستقلّ، له موضوع الخاص، وله شكله المتميّز. ولكن الإنسان قد يقرأ الآخرين، لكنه قلّما يقرأ كتابه الخاص! يقول أحد علماء النفس: "هناك أشياء يعلمها الإنسان عن نفسه، ويعرفها الآخرون أيضاً، وهناك أشياء يعرفها عن نفسه، لكنه يخفيها عن الناس فلا يعرفها أحد غيره. وهناك أشياء يراها الناس فيه ولا يراها هو في نفسه، بل ينكرها ويعاند ويكابر! وهناك أشياء في نفس الإنسان لا يراها هو ولا يراها غيره. إنها أعماق النفس الخفيّة التي تحتاج إلى الاكتشاف". ونحن نحاول أحياناً أن نعرف من نحن! لكننا أحياناً نتعمّد أن لا نعرف! فنحن نهرب من أنفسنا، ولا نريد المواجهة!
4- مواجهة مع النفسا
لمواجهة هي اللقاء وجهاً لوجه. ومعنى مواجهة النفس هو أن نرى أنفسنا على حقيقتها كما لو كنا ننظر في مرآة صافية. فتبدو لنا كلّ حسناتنا، كما تبدو لنا كلّ عيوبنا أيضاً. في مواجهة النفس نرى الجمال ونرى القبح أيضاً.
صدمة المواجهة هي أن نرى الدليل القاطع على أننا مخادعون، وأننا متستّرون على عيوبنا. وصعوبة المواجهة هي أن نرفع القناع الذي اعتدنا عليه حتّى صار جزءاً منّا!
والمواجهة ضرورة. ونحن نعلم أنها ضرورة، لكننا لا نجرؤ عليها، لذلك نهرب منها ونؤجّلها، وكلّما تأجلت المواجهة زاد الخوف! إننا نعمل ما يعمله بعض المرضى الذين يهربون من التحاليل الطبيّة خشية أن تكشف لهم أمراضاً لم يكونوا يعرفونها! إنهم يحسّون بأعراض المرض، لكنّهم يخافون الفحوص العمليّة، لأنها قد تؤكّد الشكوك وتكشف إصابتهم بأمراض خبيثة!
إن التحليل والفحص والمواجهة ضرورات حتميّة، لا ينبغي أن تؤجَّل، لأنها الطريق إلى العلاج. ففي لحظة صدق مع النفس، نكشف الضعف ونعرف الداء، ونعترف بالحاجة إلى العلاج، ونطلب الشفاء.
5- اعرف نفسك
اعرف نفسك..!! قالها الفيلسوف العظيم سقراط.. لأنه من الطبيعي ومن المفيد ان تتأمل نفسك.. افكارك، فلسفتك الشخصية، مواهبك، وابعاد شخصيتك، وهي كلها من مكونات "من انت؟"، وأن تحاول ان تفهمها بصورة أدق.. وأن تعرف لماذا تفكر وتتصرف وتشعر على نحو ما تفعل. لتعرف الى أي مدى انت تختلف عن غيرك..؟ لتعرف لماذا أنت هو أنت؟ لتعرف كل شيء عن نفسك..؟
ولأنك انت وحدك الذي تملك، في داخلك، كل الاجابات عن نفسك، فيجب ان تتحمل المسؤولية الكاملة لتعرف نفسك... فلا يوجد أي شخص يمكنه ان يعرف "عنك" اكثر مما تعرف انت "عنك!".
ان معرفتك لنفسك هي الخطوة الأولى التي تخطوها في طريق الحياة الصحيحة المتكاملة والسعيدة فمعرفتك لنفسك تساعدك على ان تستكشف نفسك.. ماذا تريد ان تقوم به في الحياة – ما تستطيع ان تتقنه، وما لا تستطيع.
وكلما اتسعت معلوماتك عن نفسك.. شخصيتك.. وواقعك.. عواطفك.. ميولك واهتماماتك.. موقفك من المجتمع ومن نفسك.. نظرتك للأمور، ازددت فهما لغيرك.. فالواقع ان تعلمك كيف تعرف نفسك وتفهمها.. وتفهم نفوس الآخرين.. هو الذي يمكنك من ان تحل مشكلاتك بصورة أفضل.. وان تعاشر غيرك بصورة أطيب.. وان تخطط لمستقبلك تخطيطا أحكم، وتتعلم كيف تدبر شئون نفسك وأمور حياتك بصورة مرضية.. فتكون ذا نفع لنفسك وللآخرين، فان الشعور بعدم الحاجة اليك أو عدم الرغبة فيك من أقوى المشاعر الانسانية المدمرة التي تجلب الخيبة والشيخوخة والمرض.
ان اشقى واتعس اختبار في حياة الانسان، ان يشعر دائما انه خارج الجماعة لا يعرف كيف يتعامل مع الناس، ولا كيف يستجيب لمعاملاتهم، يعيش منطويا على نفسه يقيس كل شيء لاشعوريا حسب تفاعله معه.
كتب احد علماء الاخلاق بجامعة اكسفورد يصف الفارق بين السماء وجهنم قال: "ان جهنم مدينة خاوية، خالية، رمادية.. كئيبة اللون، متسعة تمتد الى مسافات لا تدركها العين. هذا الاتساع، وهذا الفراغ، لأن كل قادم جديد الى هذه المدينة بعد ان يبني بيته يتشاحن ويتشاجر مع جاره فيضطر الى الابتعاد الى خارج نطاق المساكن. وهذا هو احساس كل فرد في هذه المدينة الرهيبة، ولذلك تمتد وتتسع اطرافها، ويهجر الساكنون فيها وسط المدينة ويتحرك السكان في غير انقطاع الى ما وراء ضواحيها المتباعدة حتى لا يتصل بعضهم ببعض، وتصبح هذه المدينة المهجورة الممتدة في الفضاء اللانهائي شعارا لانقطاع الحب المتبادل وزوال المودة والألفة بين الناس".
ان هذا هو الوصف الذي رسمه عالم الاخلاق لجهنم الجديدة، وبدلا من ان تكون نارا متقدة كما صورتها الكتب السماوية، يصورها هو مدينة بليدة.. مملة، لانهائية، يحاول كل من فيها ان يهرب من الآخر وان يعيش في وحشة قاسية خالية من المحبة والصداقة والألفة..
بالطبع ستجاوب فورا وتقول بلا تردد: "نعم.. أنا أعرف عن نفسي كل ما يمكن معرفته.. فأنا اعيش مع نفسي وقتي كله.. من غيري اعرف بها مني؟!
6- اعترف اولا بما تريد ان تغيره في نفسك:
فقانون الحياة يقول انه لا يمكنك تغيير ما لا تعترف به لنفسك اولا. فلتكن استراتيجيتك ان تكون واقعيا مع نفسك، في كل ما يخص حياتك، وكل الاشخاص الذين تتعامل معهم فيها. وكن صادقا في تعاملك مع الامور غير المجدية في حياتك، وتوقف عن اختلاق الاعذار، وابدأ في فحص النتائج.
اما اذا كنت غير راغب في الاعتراف لنفسك بعدم رضاك عن سلوك ما، او عاطفة ما، او اعتقاد ما، او توقف ما... فلن تستطيع ان تغيره. فاذا اخفيت عن طبيبك حقيقة ما تعاني منه، فإنه لن يستطيع ان يعالج المشكلة الاساسية التي تعاني منها.. كذلك انت طبيب نفسك، أي يجب ان تكون أمينا وصادقا مع نفسك.. ويجب ان تمتلك القوة والشجاعة لأن تسأل نفسك الاسئلة الصعبة، ولأن تجيب عنها بواقعية مثل: هل انا كسول؟ هل اعيش بدون هدف؟ هل اعطي وعودا، لا اقوم بتنفيذها ابدا؟... الخ.
7- تعرّف على ما لا تجيد صنعه وتوقف عنه:
الهدف هو ان تعترف بنقاط الضعف في قدرتك حتى تحرر مواطن القوة الى الحد الذي تصبح معه نقاط الضعف بلا تأثير يذكر.
وهذا يعني ان تحاول جادا في معالجة نقاط الضعف، ولكن اذا لم تصل الى نتيجة مجدية، فعليك بالتوقف، وتحويل بذل هذا الجهد الى استثمار نقاط القوة. وردد هذا الدعاء: "ربي امنحني القوة لقبول الاشياء التي لا استطيع تغييرها، والجرأة لاغير الاشياء التي استطيع ان اغيرها، والحكمة لاعرف الفرق".
http://www.misdarchurch.net/images/stories/who-are-you2.jpg
من واقع الحياة
مع لحظات الفجر الاولى، عاد "الاستاذ" الى بيته في أحد الاحياء الشعبية. وتسلل في الظلام صاعدا الى غرفته الصغيرة فوق سطح احدى البنايات المتواضعة. وخلع "الاستاذ" حذائه، واستلقى فوق سريره الصغير، واستغرق في تفكير عميق.
الناس البسطاء في الحي يسمونه "الاستاذ"، لأنه يقضي اليوم في القراءة، ويخرج في المساء حاملا بعض الاوراق، ويعود بها ثانية مع لحظات الفجر لا أحد يعرف اسمه، ولم يسأله احد عن حرفته، بل ظل غامضا مجهولا تحيط به التساؤلات التي لا تخلو من الشكوك، لكنه – على أي حال – لم يفعل شيئا يثير الشبهات، ولم يضايق احدا، ولم يستقبل في غرفته صديقا او جارا.
الليل – استقلى الاستاذ على فراشه في تفكير عميق يغلب عليه الحزن فمع انه بطبيعته لا يحب الاختلاط بالناس، الا انه ضاق ايضا بوحدته القاتلة، واحساسه الشديد بالغربة.
اراد ان يسترجع الذكريات، لكنه لم يجد شيئا يُسترجع، فشريط الذكريات في حياته قصير ومبتور فهو لا يعرف اين وُلد، ولا يعرف من هما ابواه، وليس له اقارب ولا اصدقاء، ولا حتى زملاء دراسة، فهو لم يلتحق بمدرسة قط.
في طفولته المبكرة تاه في الزحام، وتلفقته الارصفة، والباعة والشحاذون، ثم الورش الصغيرة. فانتقل من حرفة الى اخرى. وتعلم القراءة بمجهوده الخاص حتى اجاد "فك الخط"، كما يقولون. ثم انتهى به المطاف في الملهى الليلي، الذي اسند اليه القيام ببعض المشاهد التمثيلية، وتقديم "الاسكتشات" البسيطة.
قبل ان يحترف التمثيل، كان السؤال الذي سشغله دائما هو: من انا؟ ولقد ظل فترة طويلة يبحث حوله عن اجابة شافية فلم يجد. اما اليوم، وبعد ان كثرت الشخصيات التي يمثلها. فقد صارت المسكلة اعمق مما كانت عليه. فهو الان يمتلك شخصيات كثيرة مزيفة، يعايشها بالليل والنهار، ويتقمصها ويجسدها للناس بقدر ما يستطيع حتى صارت جزءا منه. ولكنه لا يعرف اين هو بين كل هذه الشخصيات! فالشخصية الوحيدة الحقيقية في داخله مجهولة تماما، ولا يعرف عنها شيئا يذكر!
إنه انسان لا يعرف من هو!
1- نحن وانفسنا
كثيرا ما تتكرر القصة السابقة في حياتنا الخاصة، وان لم تكن بهذه الصورة العنيفة. غير ان النتيجة في الحالتين واحدة، فنحن نعرف عن انفسنا اشياء قليلة (او كثيرة)، لكننا نجهل ايضا اشياء كثيرة جدا. وقد تكون "الشخصية الحقيقية" لنا – تائهة بين شخصيات كثيرة – تتقمصها ونؤديها امام الناس. وقد تطغى احدى هذه الشخصيات علينا، فتختفي ملامحنا الحقيقية وراء زيفها المتسلط، فيرانا كل الناس على غير ما نحن عليه! والاخطر من ذلك نقتنع نحن ايضا بالشخصية الزائفة التي نعيشها! فيتعثر علينا ان نكتشف انفسنا.
2- نفوسنا والاقنعة
نفوس البشر ليست عارية، فهي دائماً تلبس الثياب الساترة. ولكلّ إنسان "تشكيلة الأقنعة" التي يستخدمها. والأقنعة لا تخفي أشكالنا فقد، لكنها تخفي حقيقة ما نشعر به، وحقيقة ما نفكّر به، وحقيقة ما نسعى إليه. أحياناً نضع الأقنعة، ونعلم بما نعمل، وذلك حين نكذب مثلاً، أو حين ننكر أو نخدع. لكننا أحياناً لا ندرك، ولا نعلم أننا غير ما نقول، وغير ما نفعل. فقد نكذب حتّى نصدّق أنفسنا، أو بمعنى أصحّ قد نكذب حتى نخدع أنفسنا!
إن كنّا نخدع الناس فهذا عيب كبير، أما خداعنا لأنفسنا فهو ليس عيباً فقط لكنه كارثة علينا، لأنه يحول دون اكتشاف النفس ثمّ تقويم النفس، وإصلاحها!
3- معرفة النفسك
لّ إنسان في الوجود –كتاب مستقلّ، له موضوع الخاص، وله شكله المتميّز. ولكن الإنسان قد يقرأ الآخرين، لكنه قلّما يقرأ كتابه الخاص! يقول أحد علماء النفس: "هناك أشياء يعلمها الإنسان عن نفسه، ويعرفها الآخرون أيضاً، وهناك أشياء يعرفها عن نفسه، لكنه يخفيها عن الناس فلا يعرفها أحد غيره. وهناك أشياء يراها الناس فيه ولا يراها هو في نفسه، بل ينكرها ويعاند ويكابر! وهناك أشياء في نفس الإنسان لا يراها هو ولا يراها غيره. إنها أعماق النفس الخفيّة التي تحتاج إلى الاكتشاف". ونحن نحاول أحياناً أن نعرف من نحن! لكننا أحياناً نتعمّد أن لا نعرف! فنحن نهرب من أنفسنا، ولا نريد المواجهة!
4- مواجهة مع النفسا
لمواجهة هي اللقاء وجهاً لوجه. ومعنى مواجهة النفس هو أن نرى أنفسنا على حقيقتها كما لو كنا ننظر في مرآة صافية. فتبدو لنا كلّ حسناتنا، كما تبدو لنا كلّ عيوبنا أيضاً. في مواجهة النفس نرى الجمال ونرى القبح أيضاً.
صدمة المواجهة هي أن نرى الدليل القاطع على أننا مخادعون، وأننا متستّرون على عيوبنا. وصعوبة المواجهة هي أن نرفع القناع الذي اعتدنا عليه حتّى صار جزءاً منّا!
والمواجهة ضرورة. ونحن نعلم أنها ضرورة، لكننا لا نجرؤ عليها، لذلك نهرب منها ونؤجّلها، وكلّما تأجلت المواجهة زاد الخوف! إننا نعمل ما يعمله بعض المرضى الذين يهربون من التحاليل الطبيّة خشية أن تكشف لهم أمراضاً لم يكونوا يعرفونها! إنهم يحسّون بأعراض المرض، لكنّهم يخافون الفحوص العمليّة، لأنها قد تؤكّد الشكوك وتكشف إصابتهم بأمراض خبيثة!
إن التحليل والفحص والمواجهة ضرورات حتميّة، لا ينبغي أن تؤجَّل، لأنها الطريق إلى العلاج. ففي لحظة صدق مع النفس، نكشف الضعف ونعرف الداء، ونعترف بالحاجة إلى العلاج، ونطلب الشفاء.
5- اعرف نفسك
اعرف نفسك..!! قالها الفيلسوف العظيم سقراط.. لأنه من الطبيعي ومن المفيد ان تتأمل نفسك.. افكارك، فلسفتك الشخصية، مواهبك، وابعاد شخصيتك، وهي كلها من مكونات "من انت؟"، وأن تحاول ان تفهمها بصورة أدق.. وأن تعرف لماذا تفكر وتتصرف وتشعر على نحو ما تفعل. لتعرف الى أي مدى انت تختلف عن غيرك..؟ لتعرف لماذا أنت هو أنت؟ لتعرف كل شيء عن نفسك..؟
ولأنك انت وحدك الذي تملك، في داخلك، كل الاجابات عن نفسك، فيجب ان تتحمل المسؤولية الكاملة لتعرف نفسك... فلا يوجد أي شخص يمكنه ان يعرف "عنك" اكثر مما تعرف انت "عنك!".
ان معرفتك لنفسك هي الخطوة الأولى التي تخطوها في طريق الحياة الصحيحة المتكاملة والسعيدة فمعرفتك لنفسك تساعدك على ان تستكشف نفسك.. ماذا تريد ان تقوم به في الحياة – ما تستطيع ان تتقنه، وما لا تستطيع.
وكلما اتسعت معلوماتك عن نفسك.. شخصيتك.. وواقعك.. عواطفك.. ميولك واهتماماتك.. موقفك من المجتمع ومن نفسك.. نظرتك للأمور، ازددت فهما لغيرك.. فالواقع ان تعلمك كيف تعرف نفسك وتفهمها.. وتفهم نفوس الآخرين.. هو الذي يمكنك من ان تحل مشكلاتك بصورة أفضل.. وان تعاشر غيرك بصورة أطيب.. وان تخطط لمستقبلك تخطيطا أحكم، وتتعلم كيف تدبر شئون نفسك وأمور حياتك بصورة مرضية.. فتكون ذا نفع لنفسك وللآخرين، فان الشعور بعدم الحاجة اليك أو عدم الرغبة فيك من أقوى المشاعر الانسانية المدمرة التي تجلب الخيبة والشيخوخة والمرض.
ان اشقى واتعس اختبار في حياة الانسان، ان يشعر دائما انه خارج الجماعة لا يعرف كيف يتعامل مع الناس، ولا كيف يستجيب لمعاملاتهم، يعيش منطويا على نفسه يقيس كل شيء لاشعوريا حسب تفاعله معه.
كتب احد علماء الاخلاق بجامعة اكسفورد يصف الفارق بين السماء وجهنم قال: "ان جهنم مدينة خاوية، خالية، رمادية.. كئيبة اللون، متسعة تمتد الى مسافات لا تدركها العين. هذا الاتساع، وهذا الفراغ، لأن كل قادم جديد الى هذه المدينة بعد ان يبني بيته يتشاحن ويتشاجر مع جاره فيضطر الى الابتعاد الى خارج نطاق المساكن. وهذا هو احساس كل فرد في هذه المدينة الرهيبة، ولذلك تمتد وتتسع اطرافها، ويهجر الساكنون فيها وسط المدينة ويتحرك السكان في غير انقطاع الى ما وراء ضواحيها المتباعدة حتى لا يتصل بعضهم ببعض، وتصبح هذه المدينة المهجورة الممتدة في الفضاء اللانهائي شعارا لانقطاع الحب المتبادل وزوال المودة والألفة بين الناس".
ان هذا هو الوصف الذي رسمه عالم الاخلاق لجهنم الجديدة، وبدلا من ان تكون نارا متقدة كما صورتها الكتب السماوية، يصورها هو مدينة بليدة.. مملة، لانهائية، يحاول كل من فيها ان يهرب من الآخر وان يعيش في وحشة قاسية خالية من المحبة والصداقة والألفة..
بالطبع ستجاوب فورا وتقول بلا تردد: "نعم.. أنا أعرف عن نفسي كل ما يمكن معرفته.. فأنا اعيش مع نفسي وقتي كله.. من غيري اعرف بها مني؟!
6- اعترف اولا بما تريد ان تغيره في نفسك:
فقانون الحياة يقول انه لا يمكنك تغيير ما لا تعترف به لنفسك اولا. فلتكن استراتيجيتك ان تكون واقعيا مع نفسك، في كل ما يخص حياتك، وكل الاشخاص الذين تتعامل معهم فيها. وكن صادقا في تعاملك مع الامور غير المجدية في حياتك، وتوقف عن اختلاق الاعذار، وابدأ في فحص النتائج.
اما اذا كنت غير راغب في الاعتراف لنفسك بعدم رضاك عن سلوك ما، او عاطفة ما، او اعتقاد ما، او توقف ما... فلن تستطيع ان تغيره. فاذا اخفيت عن طبيبك حقيقة ما تعاني منه، فإنه لن يستطيع ان يعالج المشكلة الاساسية التي تعاني منها.. كذلك انت طبيب نفسك، أي يجب ان تكون أمينا وصادقا مع نفسك.. ويجب ان تمتلك القوة والشجاعة لأن تسأل نفسك الاسئلة الصعبة، ولأن تجيب عنها بواقعية مثل: هل انا كسول؟ هل اعيش بدون هدف؟ هل اعطي وعودا، لا اقوم بتنفيذها ابدا؟... الخ.
7- تعرّف على ما لا تجيد صنعه وتوقف عنه:
الهدف هو ان تعترف بنقاط الضعف في قدرتك حتى تحرر مواطن القوة الى الحد الذي تصبح معه نقاط الضعف بلا تأثير يذكر.
وهذا يعني ان تحاول جادا في معالجة نقاط الضعف، ولكن اذا لم تصل الى نتيجة مجدية، فعليك بالتوقف، وتحويل بذل هذا الجهد الى استثمار نقاط القوة. وردد هذا الدعاء: "ربي امنحني القوة لقبول الاشياء التي لا استطيع تغييرها، والجرأة لاغير الاشياء التي استطيع ان اغيرها، والحكمة لاعرف الفرق".